ابن يعقوب المغربي

510

مواهب الفتاح في شرح تلخيص المفتاح

الأمر ( الأول ) بالثاني ( دون الجمع ) أي : من غير أن يتبادر أن المتكلم أراد الجمع بين الفعلين المأمور بهما ( وإرادة التراخي ) أي : ومن غير أن يتبادر أن المتكلم أراد جواز التراخي في أحد الأمرين ، حتى يمكن الجمع بينهما ، وبهذا يعلم أن الجمع والتراخي متقاربان ؛ لأنه متى جاز التراخي أمكن الجمع ، فأحد الأمرين أو كلاهما على التراخي ، ويلزم من تغيير الأول كونه على الفور حيث غيره بما يعقبه ، فيثبت به المطلوب من كونه على الفور ، وإنما قلنا يتبادر منه التغيير ؛ لأن المولى إذا قال لعبده : قم ، ثم قال له : اضطجع إلى المساء ، يتبادر إلى الفهم أن الأمر بالقيام ساقط عنه بالأمر بالاضطجاع إلى المساء ، ولا يفهم منه أنه أراد الجمع بينهما بتراخي أحدهما عن زمان الآخر ، فإنك إذا قلت لرجل : قم للصلاة ، ثم قلت له : ارقد إلى الوقت ، فهم أن المراد من الأول قم الآن لتوهم الوقت ، إذ لا معنى للأمر قبله ، ومن الثاني ارقد من الآن إلى الوقت ( وفيه نظر ) أي : وفيما ذكر مما بين به التبادر إلى التغيير نظر ؛ لأنه لا يسلم التبادر عند اختلاف القرائن ، فإنه لو قال له : قم ، ثم قال : اضطجع ، من غير أن يزيد إلى المساء ، أو قال له في الثاني : قم ، من غير ذكر الصلاة ، ثم قال له : ارقد ، من غير ذكر وقت الصلاة لم يتبادر التغيير ، وإنما فهم التغيير في الأول بما جرت به العادة من أن مطلق القيام لا يراد به التأخير إلى الليل ، ولما أمره بالاضطجاع المبدوء بوقت ورود الصيغة إلى المساء فهم تغيير الأول ، ولو عن التراخي ، الذي يمكن أن يراد به ، وهو ما يقرب من زمن التكلم ، وفهم في الثاني - لو جرت به العادة - أن الإنسان لا يؤمر بالصلاة إلا عند وقتها ، والأمر الثاني بين أنه لم يدخل وقتها ، وعلى هذا يكون ما بين به الفور مما دل بالقرينة ، فلا يظهر به كون حق الأمر أن يكون للفور وإنما قدرنا جواز التراخي ؛ لأن القول المقابل للفور هو جواز التراخي بإرادة مطلق الطلب ، لا وقوع التراخي ، بمعنى أنه لا يقول بأن حقه الدلالة على التراخي ، بل حقه جواز التراخي ، وإنما دلالته على مطلق الطلب الصادق بالتراخي والفور .